Uncategorizedحوارات

تحــدّث لـ (المـوقف 24) لسـاعتين القيادي البارز بحزب الأمة القومي، ورئيسه بولاية الجزيرة، المهندس خلف الله الشريف، في حوار يتجاوز أحياناً ((الخطوط الحمراء)).

حاوره:أسامة يوسف

 

* أعده للنشر:عاصم الأمين *

* صحيح، لو كان الإمام الصادق ((حياً))، لساند الجيش مساندة قوية منذ أول يوم للحرب، عطفاً على مواقفه الوطنية المشرّفة طوال حياته السياسية، بما فيها مساندته للجيش ((في قمة معارضته للإنقاذ))، عند دخول العدل والمساواة إلى مشارف أم درمان.

* قلنا للبرهان ولكامل إدريس: إذا كان الجيش ((يحفر بالإبرة))، فاقتلاع الفساد الموجود يحتاج إلى ((بلدوزر))، وقد تفهّموا هذا الحديث.

* الحرب بدأت بانقلاب ((فاشل))، ورأيي الشخصي أن المهدي أُغتيل بفيروس نُقل له عمداً.

* جمّدنا نشاطنا في الحرية والتغيير، قبل شهر تقريباً من اغتيال الصادق، لأن مشاركتنا فيها كانت بلا لون ولا رائحة ولا طعم، ولكنها أفضل حالاً من مشاركات بعض قياداتنا في صمود وتأسيس (!!).

* اقترن قرار هذا التجميد بأن كوّن الإمام لجنة من ((عسكريين)) لفض أي نزاعات بين البرهان وحميدتي، لأنه كان يستشعر بأن الأمور بينهما تمضي بسرعة شديدة إلى الهاوية أو المجهول.

* برمة ناصر اعترف بنفسه بأنه ((انحاز لبندقية القبيلة))، فهذا توجه خطير، وأعيتنا الحيلة لنجد تفسيراً لموالاة القيادات الأخرى بالحزب للمليشيا، إلّا في هذا الإطار، ومريم الصادق لها موقف مختلف، تُسأل هي عنه (!!).

* ((صديق مويه)) ليس من قيادات الحزب ((كلّا))، ((ونتبرأ)) منه أمام الله وأمام جماهير الحزب، ولا علم لي بمن رشّحه لهذه الإدارة المدنية الوهمية.

* نحن رؤيتنا أن أيّ حرب لا بد أن تنتهي بالتفاوض، ولكن (!!).

* لقاءاتنا الجماهيرية في الخرطوم ومدني والنيل الأبيض، وقبل ذلك في مناطق الجاموسي وكرري، أظهرت أنّ جماهيرنا متّحدة وموحّدة، ومع قيادة الحزب الحالية، وأنها تساند الجيش بصورة سافرة وصارخة، وأكدت إدانتها القوية وشجبها لمواقف بعض القيادات المؤيدة للتمرد.

* للآن لم تصدر أي قرارات في مواجهة قيادات الحزب الداعمة للجنجويد، ولكن المؤكد أن يُعاد النظر في وجودهم من خلال اجتماع الهيئة المركزية، الذي يتم الترتيب له حالياً.

* ليس المقصود إطلاقاً بحراكنا وسط جماهيرنا تمهيداً ليقود ((عبدالرحمن الصادق)) الحزب في هذه المرحلة، فهذا الحديث ليس دقيقاً، وربما من خيالكم (!!).

* نعم، لنا تواصل مستمر مع الحزب الاتحادي الأصل، لدعم الجيش عبر المساندة الشعبية، وليس لنا أي تنسيق مع الإسلاميين لهذا السبب (!!).

* حكومة الأمل تعمل بسلحفائية شديدة، والناس ضاقوا ذرعاً بمعاشهم، وهم الآن يكتوون بـ((نار الحرب))، و((نار الفساد)).

* العفو عن ((كيكل)) و((قبة)) و((السافنا)) يأتي في السياق العادي، وهو ((تكتيك)) معمول به في كل الحروب، ولكن البشير ذهب بثورة شعبية، وموضوع علاجه بالخارج متروك لقيادة الدولة.

* صحيح، هناك مجلس إدارة جديد لمشروع الجزيرة، ومجلس للمزارعين، ولشركة الأقطان، ولكن هذه المجالس عادت لتشغلها الوجوه القديمة، أو بعض الوجوه الجديدة، بذات الفهم القديم، وبالتالي لا أتوقع أي جديد في ملف المشروع.

* لهذا السبب الجوهري، لم نترشح في انتخابات المزارعين في مشروع الجزيرة، وأترك بقية الأسباب لعلاقات اجتماعية تربطنا بقياداتهم الحالية.

في حوار ساخن تتقاطع فيه الحرب والسياسة وتاريخ حزب الأمة، يفتح القيادي الأبرز، ورئيس الحزب بولاية الجزيرة، المهندس خلف الله الشريف، ملفات شديدة الحساسية، تبدأ من موقف الصادق المهدي من القوات المسلحة والدعم السريع، وإلى الاتهامات المتبادلة ما قبل اندلاع الحرب، وانقسامات قيادات الحزب بين الداخل والخارج.. حديث يكشف عن خلافات عميقة، ويرسم ملامح موقف جديد لحزب الأمة، في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخنا الوطني.

 

فإلى تفاصيل هذا الحوار، والذي بدأ فيه رئيس الحزب بالولاية، متحدثاً بصراحة ربما أكثر من اللازم، أو قل متجاوزاً أحياناً لبعض «الخطوط الحمراء» «!!»

 

وقبل أن ندخل في التفاصيل، فلا بد لي أن أشكر الصحفي الكبير الأستاذ عاصم الأمين، الذي شارك معنا بعدة مداخلات مع ضيفنا، كما أن هناك شكراً واجباً للأخت راقية كركساوي «من أمانة المرأة بالحزب»، والتي اجتهدت في الترتيب لهذا اللقاء.

 

وقد بدأنا معه هذا الحوار على النحو التالي.

 

 

* أبدأ هذا اللقاء بأن لدي قناعة راسخة، كنتُ قد كتبتُ عنها عدة مرات، (أن السيد الإمام الصادق المهدي، لو كان موجوداً على قيد الحياة، «لأعلن بوضوح تام منذ أول يوم للحرب، موقفاً باذخاً يساند فيه الجيش بقوة، ويدعمه دعماً كاملاً»)، فكيف تعلق على هذا الحديث؟

 

أولاً، أنا أشكرك على هذا الاستهلال الجميل، فهذا الحديث صحيح 100%، من واقع المواقف المبدئية للسيد الصادق حيال قضايا الوطن الرئيسية، منذ دخوله للعمل السياسي شاباً وإلى أن توفاه الله، فنعم، كان سيكون له موقفاً مبدئياً داعماً للجيش، باعتبار أن هذا الموقف لا يقبل أي مزايدات أو مناورات أو مواقف سياسية (نص نص).. ودعني أدلل على ذلك بثلاثة مواقف، فالأول عند دخول حركة العدل والمساواة إلى مشارف أم درمان في عملية (الذراع الطويل)، ففي قمة معارضته للإنقاذ، حدد السيد الصادق موقفه الداعم والمساند للقوات المسلحة، وأدان وشجب بكلمات واضحة وبأقوى العبارات سلوك العدل والمساواة، الذي وصفه حينها بالهمجي والأرعن وغير المسؤول، بل وذهب حينها للبشير، وهو خصمه السياسي الأول، معلناً عن هذا الموقف؛ لأن القضية قضية وطن، وبالتالي لا مجال إطلاقاً لأي موقف فيه غباش سياسي، أو الوقوف في المنطقة الرمادية. والموقف الثاني أن السيد الصادق كان قد أصدر قراراً تاريخياً عبر المؤسسات، قبل شهر أو أكثر قليلاً من وفاته، بتجميد نشاط حزب الأمة في تحالف الحرية والتغيير، بعد أن يئس تماماً من إصلاحه، ولكنه أردف قرار التجميد، كما تعلم، بتكوين لجنة كبيرة من كبار قادة الجيش، خاصة المتقاعدين، للتواصل مع البرهان وحميدتي، وتلتقي بهم كل أسبوعين، حفاظاً على التزامه بالدولة المدنية من جهة، ولفض أي نزاعات يمكن أن تؤدي إلى مشاكل مستعصية تلحق أضراراً بالجيش، وهذا ما حدث فعلياً، باندلاع هذه الحرب اللعينة. ومن مواقفه التاريخية كذلك، على سبيل المثال، في العام 2014، وفي لقاء مشهود ومشهور بمنطقة الولي بمحلية الحصاحيصا، قال السيد الصادق عبارته التي سارت بذكرها الركبان، بأن قوات الدعم السريع قوات متفلتة ومنفلتة، ولكن الحكومة في أعلى مستوياتها تتعامل معها بدلال شديد، وقال قولته: «غنماية المك ما بقولولا تك»، ولكن نحن في حزبنا بنقولها تك (وبالصوت العالي)، وتحت إصرار حميدتي تم اعتقال الإمام في نفس اليوم، وكنا نتوقع ذلك بحسب حديث متكرر لحميدتي، بأن «البلد دي بلفا عندنا». فعموماً، موقف الصادق المهدي الذي تحدثت عنه في سؤالك (وقد فارق الحياة…)، يندرج ويتماهى وينسجم ويتسق مع مواقفه الوطنية الكبيرة…

 

ولو كانت هذه المواقف تصب في المصالح السياسية لخصومه، فما كان يهمه هو مصلحة البلد وقضاياها الرئيسية. (الله يتقبله).

 

* ولكن مع الذي قلته، (يا باشمهندس)، فالإمام كان قد دعا الدعم السريع في لقاء تلفزيوني شهير، للانضمام لحزب الأمة؟!

 

لا أبداً، فهذا الحديث بالطريقة التي أوردتها، ليس دقيقاً وليس صحيحاً ومنتزَعاً من سياقه العام، فالسيد الصادق كان في لقاءاته الجماهيرية وفي أحاديثه الإعلامية، وقبل ذلك داخل مؤسسات الحزب، وفي لقاءاته مع ضيوفه، كان يردد باستمرار بأن قائد الدعم السريع له طموحات سياسية كبيرة، ولذلك دعاه في إطار هذه القناعة لتكوين حزب سياسي أو الانضمام لأي جهة حزبية موجودة يريدها، وإذا جاء لحزب الأمة فمرحباً به، وذلك في سياق أنه هو في الأصل ينتمي لجغرافيا ومناطق فيها نفوذ وولاء كبير لحزب الأمة، فحديثه أتى في هذا الإطار، وليس كما فهمت أنت (يضحك).

 

* قلت إن السيد الصادق كان قد جمّد نشاط الحزب في الحرية والتغيير قبل وفاته بشهر، ولكن لم ترشح معلومات كافية في الإعلام عن أسباب هذا التجميد؟!

 

لا.. الإعلام تحدث، فعدد من القنوات الخارجية، مثال قناة الجزيرة والعربية وعدد من القنوات السعودية والمصرية والقنوات الأخرى، علاوة على عدد من الإذاعات العالمية، كانت قد أفردت مساحات جيدة وتحدثت عن ذلك، بلسان السيد الصادق المهدي وعدد من قيادات الحزب الأخرى، فضلاً عن أن قرار التجميد كان قد شغل الميديا والأسافير والوسائط، ووجد حظاً من التداول والمتابعة والتعليقات، ولكن لا مانع في أن نعيد لكم وللمتابعين، بأن أسباب التجميد تعود لوجود تقاطعات وصراعات ومشاحنات وبغضاء وتصفية حسابات، والأهم من ذلك أن سيطرت على هذا التحالف قوى سياسية بعينها (ليس لها أي وزن أو قيمة في الشارع)، ولا أريد أن أتحدث عن أي جهة باسمها، فهذا متروك للمتابعين. وهذا ما جعل مشاركتنا داخل هذ؟ التحالف ثانوية وهامشية وديكورية، ولا لون فيها ولا رائحة ولا طعم. فأكتب ذلك على لساني، وأكتب أي كلمة يمكن أن تحمل هذا المعنى، فقد كانت مجرد مشاركة صورية هي أقرب للعدم، فكان قرار التجميد هو خيارنا الحتمي من الاستمرار في تحالف لن يوصلنا إلى النتائج المرجوة، في إطار الدولة المدنية المنشودة. وكما قلت، فقد اقترن قرار التجميد بأن كوّن السيد الإمام لجنة من كبار ضباط الجيش المتقاعدين والموجودين في الخدمة، لتجتمع كل أسبوعين بالبرهان وحميدتي، لفض أي نزاعات أو مشكلات، كما قلت، وتقريب وجهات النظر، لأنه كان يستشعر بأن الأمور بينهما تمضي بسرعة إلى المجهول أو الهاوية، وهذا ما حدث خلال فترة وجيزة، وربما قبل أن تجتمع هذه اللجنة ولا اجتماع واحد.

 

* استمعت قبل فترة لفيديو من نائب رئيس حزبكم، الفريق صديق إسماعيل، يؤكد فيه تماماً بأن صوت قيادات الحزب التي انضمت لتأسيس ولصمود أيضاً صوتها ضعيف، وليس له أي أثر أو تأثير، ومجرد تمومة جرتق (بحسب قوله)، فهل توافقه الحديث؟!

 

أوافق تماماً يا أخ أسامة، فمثلما كان صوت حزبنا ضعيفاً في الحرية والتغيير، ولكنه على أي حال أفضل من صوت هؤلاء القيادات، التي انضمت بكل أسف إلى صمود وتأسيس، بدليل أنهم لم يستطيعوا حتى على المستوى الشخصي (وهذا متاح في العمل السياسي) أن يسجلوا موقفاً، ولو إدانات خجولة، لاحتلال المليشيا دار الحزب في أم درمان وفي مدني، ولم يشجبوا الفضائح والأعمال النكراء والانتهاكات الواسعة التي حدثت في الجزيرة، ولا دفن الناس أحياءً واغتيال الوالي خميس عبد الله أبكر في غرب دارفور، ولا الإهانات والفظائع التي حدثت في الخرطوم وفي أي مكان دخله هؤلاء القتلة والسفاحون والمجرمون، فلم يفتح الله عليهم بكلمة إدانة واحدة، ولو بصفاتهم الشخصية، فلم يجدوا التقدير والاحترام من هذه الكيانات الهلامية التي انضموا لها، في مقابل تحقير وازدراء من كافة قطاعات الشعب السوداني وجماهير الحزب، لمواقفهم الصادمة والمخزية والجبانة.

 

* قلت له ضاحكاً، (ربما الكثيرون الذين يتابعون معنا هذا اللقاء) قد يظنون، بحسب هذا الحديث، بأنك تركت حزبكم وانضممت للإسلاميين؟!

 

(أجاب بطريقة جادة).. الإسلاميون أنفسهم (على الأقل الذين أعرفهم ويعرفونني) يدركون سلفاً أن الذي بيني وبينهم فراق أبدي في المواقف السياسية، فرأيي الخاص بأن أي تقارب بيننا يأتي على حساب سمعتي وتاريخي كسياسي، وأنا لست على استعداد أصلاً بأن أضحي بسمعتي السياسية.

 

* هل صحيح أن هذه الحرب بدأت بانقلاب فاشل قاده حميدتي، ومن بعد ذلك استمرت الحرب، كما قال رئيس حزبكم المكلف، الأخ محمد عبد الله الدومة، لإحدى القنوات الخارجية، أم أن حديثه يمثل وجهة نظره الشخصية؟!

 

نعم، هي رؤية الحزب ورؤية الواقع الذي كان ماثلاً، بأن هذه الحرب بدأت بعد انقلاب فاشل قاده حميدتي وشقيقه، بتخطيط ودعم ومعاونة كاملة من «قحت»، بما فيهم بعض من قيادات حزبنا، ومن ورائهم عدة جهات خارجية. فالحرية والتغيير كانت تستخدم حميدتي وقواته في تصفية حساباتها مع الجيش بأكمله، وليس ممثليه في مجلس السيادة فحسب، بدليل سعيهم الدؤوب وإصرارهم على دمج الدعم السريع مع الجيش، في فترة ما بين «10 إلى 20» عاماً، كرشوة سياسية له، ليحقق لهم رغباتهم وأجنداتهم. وقد وافق حميدتي بأن يلعب لهم هذا الدور، ليحقق عبرهم وعبر داعميهم في الخارج طموحاته السياسية الزائدة، في حكم السودان هو وشقيقه. فالحرب بدأت بعد انقلاب فاشل، كما قلت، وعدد من قيادات قحت وحزب الأمة كانت تعلم بما سيجري صباح السبت، بدليل اتصال يوسف عزت بمذيع ينتمي لحزب الأمة للترتيب لإذاعة بيان الانقلاب، بحسب فيديو مشهور (كان متداولاً بكثافة)، يثبت بأن عدداً من القيادات، بما فيهم قيادات في حزب الأمة، كانت على علم بالانقلاب، علماً أن عدداً من قيادات حركات الكفاح المسلحة كانت قد نبهت، قبل فترة كافية، بأن هناك ترتيباً يتم لانقلاب، وفي مقدمة هؤلاء القيادات مني أركو مناوي، وجبريل إبراهيم، والتوم هجو، ولكن لم يسمع لهم أحد، إلى أن وقعت الطامة الكبرى، نسأل الله أن يلطف ببلادنا.

 

* ذكرت أن عدداً من القيادات في حزبكم كانوا على علم بما سيجري صباح السبت، فمن هم بالاسم (على الرغم من أن غالبية هذه الأسماء أصبحت معروفة للرأي العام)، ولكن سؤالنا لتكتمل الصورة النهائية لهذا اللقاء لدى المتابعين؟!

 

طالما هم معروفون للرأي العام، كما ذكرت، فلا داعي أن أكرر ما هو معروف، فهؤلاء القيادات أهانوا الحزب ومؤسساته وجماهيره وتاريخه إهانات بالغة، عبر هذا الموقف الصادم، وقبل ذلك أهانوا تاريخهم وجهادهم الطويل بالحزب، فنحن لدينا معلومات موثوقة ودقيقة، أكثر من التي تحدث عنها الإعلام، تكشف عن تورطهم مع المليشيات ومع الخارج، بعد أن اختطفوا الحزب ومؤسساته وتحدثوا باسمه لجلب مصالح شخصية أو عنصرية، ليست لها علاقة بالحزب ولا جماهيره. ولكن خلال حراكنا الدؤوب في الفترة الماضية، وتواصلنا المستمر مع جماهيرنا في عدة لقاءات، في الخرطوم وفي الجزيرة، وخلال أيام سنلتقي بجماهيرنا في النيل الأبيض، أقول إنه خلال هذا التواصل تأكد بأن هذه المجموعة التي انضمت للمتمردين أصبحت معزولة تماماً من جماهير الحزب، وملفوظة أو ملعونة من الشارع السوداني، بكل تكويناته ومكوناته وأطيافه، وأن جماهيرنا موحدة ومتماسكة ومتمسكة بأهداف الحزب الرئيسية، وفي مقدمتها دعم القوات المسلحة، ولم تتأثر مطلقاً بمواقف بعض قيادات الحزب الخارجة عن الإجماع الوطني، وإن كانت متأثرة ومتألمة على مواقفهم البائسة.

 

* ما هو تفسيركم لانضمام عدد من قياداتكم لصمود ولتأسيس؟!

 

والله، أنا الذي أعرفه أن فضل الله برمة ناصر قال حديثاً عنصرياً تحدثت عنه وتناقلته عدداً من وسائل الإعلام الخارجية، إذ قال بالحرف الواحد، ولعلك تعلم، (أنه انحاز لبندقية القبيلة)، وهو على أي حال موقف مخزٍ وتوجه عنصري وجهوي قبيح، ولا يشبه على الإطلاق رجلاً كان ضابطاً رفيعاً في القوات المسلحة، ولا يشبه من هو في هذا العمر. أما بعض القيادات الأخرى، فلم أجد تفسيراً مناسباً لموقفهما ولموالاة المليشيا إلا المصالح الشخصية، ((فأنا ما شايف حاجة ثانية أكثر من كدة)).

 

* في حوار سابق لـ«الموقف 24» مع نائب رئيس الحزب، الفريق صديق إسماعيل، وفي حوارنا معك الآن، فلم ترد أي مخاشنة إعلامية للدكتورة مريم الصادق، فهل لكونها امرأة أم ماذا؟!

 

 

«ضاحكاً».. الدكتورة مريم لديها موقف مختلف، ففي محطات وفيديوهات عديدة (قطعاً استمعت لها)، كانت تتحدث بحرقة وألم وأسى وحزن بالغ لما أصاب الشعب السوداني، كما أنها ليست مع صمود ولا تأسيس، فلديها موقف مختلف، تُسأل هي عنه.

 

– «بالمناسبة».. هل صحيح (بعد أن سقطت الخرطوم في يد التمرد، كنتم قد استضفتم مريم الصادق في داركم بمنطقة الحديبة أبو الحسن بالجزيرة، في طريقها لبورتسودان، لمغادرة البلاد؟!

 

هذا الحديث كان قد تم تداوله على الوسائط بصورة كبيرة جداً، ولكنه ليس صحيحاً على الإطلاق، وإذا جاءت لنا لكنا سنرحب بها ترحيباً كبيراً يليق بها وبمكانتها.

 

* هناك حديث عن نيتها للعودة للبلاد؟

 

ليست لدي أي معلومات في هذا الجانب، وإن كنت لا أستبعد عودتها.

 

* تحدثت خلال هذا الحوار عن صمود وعن تأسيس، فما الفرق بينهما في تعريفات الحزب أو وجهة نظرك الشخصية؟!

 

((بنصف ضحكة)).. هما أحمد وحاج أحمد ووجهان لعملة واحدة وتبادل أدوار و«تكتيك» ليس أكثر، فالأثنان مواليان وداعمان للتمرد وللجنجويد، وراعي الضأن في الخلاء البعيد يعرف ذلك.

 

* أنت وصفت مشاركات بعض قيادات الحزب في «تأسيس وصمود» بأنها بلا لون ولا رائحة ولا طعم، فلماذا إصرار هذه القيادات إذن على مواقفهم، فهل يكونوا موعودين بأدوار سياسية أكبر ومناصب وكذا، في حال عودتهم للبلاد للمشاركة في الحكم عبر التفاوض؟!

 

أنا قلت لكم إن حتى أدوارهم في صمود وتأسيس ثانوية وديكورية وتمامة جرتق، فكيف يعطوهم الوزارات والمناصب (دا وهم ساي)، خاصة أنه ثبت لهم على أرض الواقع أنهم يتعاملون حتى داخل قواتهم بطريقة أن أبناء هذه القبيلة هي الأعلى كعباً، ويليها القبيلة كذا، ولذلك حتى إذا جاءوا للمشاركة في الحكم عبر التفاوض، فسيقدمون للمناصب أهلهم والمقربين من أبناء القبيلة، فهؤلاء يتعاملون بعنصرية شديدة، لم نسمع بها في حياتنا من قبل، ولذلك لا أتوقع أن يمنحوهم شيئاً إلا الفتات، الذي لا يناسب ولا يتناسب مع خسارتهم لسمعتهم السياسية والاجتماعية.

 

* لي سؤال أعتقد أنه من الأهمية بمكان، فهل لاحظتم في فترة تولي برمة ناصر لمنصب رئيس الحزب أي توجهات عنصرية أو جهوية، فأهمية هذا السؤال تنبع من كونه كان قد قال، والإعلام كان شاهداً، (إنه انحاز لبندقية القبيلة)؟!

 

الشهادة لله، فأنا شخصياً كنت من أكبر الداعمين له ليتولى رئاسة الحزب، خاصة أنه كان نائباً للرئيس، وأبداً لم تظهر أو نلحظ له أي توجهات عنصرية أو قبلية… إطلاقاً لا… ولكن سبحان الله مقلب القلوب، يقلبها كيفما يشاء.

 

* هل قابلته أو هاتفته خلال فترة الحرب؟!

 

نعم، قابلته مرة واحدة في مناسبة اجتماعية بالقاهرة، ولم نتحدث في أي موضوع سياسي، فقد كان لقاءً فيه السلام والونسة العادية، وتوادعنا في نهاية المناسبة.

 

* ما هي رؤيتكم في الحزب لإنهاء هذه الحرب؟!

 

نعم، نحن رؤيتنا أن أي حرب لا بد أن تنتهي بالتفاوض والجلوس على طاولة الحوار، فصحيح أن هذه الحرب طال أمدها وطال، ولا بد من تحقيق السلام مهما كان الثمن غالياً، ولكن المليشيا المدعومة والمرهون قرارها لجهات خارجية ودولية معادية، رغم حديثها المتكرر عن حرصها على السلام واستعدادها للتفاوض، إلا أنها في الواقع والمحك العملي غير جادة في ذلك إطلاقاً، بدليل عدة محاولات للتفاوض انتهت بدون أي نتائج على الأرض، لأن قرارها ليس بيدها، ولذلك فلا سبيل إلا بالمزيد من التحام الشعب مع قواته المسلحة، مع أن الشعب لم يقصر في هذا الواجب أبداً طيلة الفترات السابقة، بشهادة العالم الحر كله، وإلى أن تظهر المليشيا وداعموها رغبة حقيقية وواضحة في السلام، فنحن نحرض جماهير الحزب وكل أهل السودان على المزيد من الالتفاف والالتحام مع الجيش، لكون أن هذه القضية لا تقبل المزايدة أو المساومة بالمرة، كما قلت ورددت في هذا اللقاء أكثر من مرة.

 

* لكن (يا باشمهندس)، فالحزب لم يحدّث أي حراكاً جماهيرياً لافتاً خلال الفترة الماضية (بعد الحرب)؟.

 

لا، بالعكس، فقد كان لدينا منذ أغسطس 2025 تحركات واسعة، بلقاء حاشد وضخم في منطقة الجاموسي بمحلية المناقل، خاصة أن للحزب جماهيرية واسعة ونفوذاً كبيراً هناك، تحدث فيه نائب رئيس الحزب الفريق صديق إسماعيل والأخ عبد الرحمن الصادق المهدي وشخصي الضعيف، وفي (22) من سبتمبر الماضي كان لنا أيضاً لقاء حاشد بود مدني، تناقلته وتحدثت عنه وسائل الإعلام على نطاق واسع، وقبل ود مدني كان لنا كذلك لقاء جماهيري غزير الحضور، في دار حزب الأمة بأم درمان، بحضور جماهير غفيرة تمثل كل الولايات، بما فيها الولايات التي ما زالت تحت الاحتلال، وقد تحدث فيه رئيس الحزب المكلف الأخ محمد عبد الله الدومة، وكذلك نائب الرئيس والقيادي البارز الدكتور إبراهيم الأمين، بحضور كل مساعدي الرئيس، فضلاً عن (13) من رؤساء الحزب بالولايات المختلفة، وقد استمر هذا اللقاء لساعات طويلة، وكانت فيه مناقشات صريحة وجادة وهادفة، وقد خرج هذا اللقاء الكبير بمخرجات مهمة للغاية.. و.

 

* (قاطعته).. ما هي أبرز هذه المخرجات؟

 

هذا اللقاء الكبير أكد تماماً بأن جماهير الحزب مع السودان الواحد الموحد، وأنها متحدة وموحدة ومتراضية ومتراصة ومؤيدة لقيادات الحزب الحالية، وأن الحزب يقف بشكل صارخ وسافر مع الجيش قلباً وقالباً، كما أكد اللقاء على إدانة وشجب مواقف قيادات الحزب الموجودة في صمود وتأسيس، وكذلك كان قد تقرر أن تقابل قيادات الحزب الرئيس البرهان ورئيس الوزراء كامل إدريس، لإطلاعهما على مجمل مواقفنا، خاصة فيما يلي الحرب، وهذا ما تم فعلياً في لقاءين منفصلين كانا جيدين للغاية.

 

* ماذا دار في هذين اللقاءين بالضبط؟!

 

أكدنا لهما، كلاً على حدة، بأننا جئنا لمساندة الدولة وليس الأشخاص، وأننا بوضوح تام مع الجيش وضد المليشيا ومن شايعها، وقد قدمنا التهنئة لكامل إدريس لاختياره وتكوينه لحكومته، باعتبار أن ذلك خطوة مهمة في إطار مدنية الدولة، كما هنأنا البرهان، كقائد للجيش، بالانتصارات الباهرة والكبيرة التي تحققت في كافة المحاور، وتطرقنا إلى أن الجيش إذا كان يحفر (بالإبرة) للقضاء على التمرد، فيحتاج بأعجل ما يكون إلى (بلدوزر) للقضاء على الفساد الموجود واقتلاعه، علماً أننا كنا قد سلّمنا مذكرة واحدة مكتوبة للجانبين، حوت تقريباً ما ذكرته أعلاه.

 

* كيف تلقوا هذا الحديث؟!

 

استقبلونا استقبالاً جيداً، وأكدوا بأنهم غير مستغربين لمواقف الحزب، في إطار تثبيت أركان الدولة، وتلقوا حديثنا الناقد عن الفساد بترحاب وسعة صدر وتفهم.

 

* هل هناك قرار في لقائكم الجماهيري بأم درمان (والذي وصفته بأنه ضخم) بطرد قيادة الحزب في صمود وفي تأسيس؟!

 

حتى الآن لم يصدر أي قرار في هذا الصدد، فمثل هذه القرارات هي من اختصاص المؤتمر العام أو الهيئة المركزية للحزب التي تحاسب الأمانة العامة والمكتب السياسي، ولكن إن شاء الله ستنعقد خلال الأسابيع القليلة القادمة، وحالياً جارٍ الترتيب والتحضير لهذا الاجتماع الهام والمهم، فهو المعني بإصدار مثل هذه القرارات.

 

* يبدو أن هذه الهيئة ماضية في اتجاه الطرد؟!

 

أتوقع بالضرورة أن يُعاد النظر في وجودهم، ليواكب الحزب هذه المرحلة الدقيقة والخطيرة من تاريخنا الوطني. أما عبارة الطرد (التي استخدمتها في سؤالك)، فهي لا تناسب طريقتي في الحديث للإعلام، ولا في قاموسي.

 

* هناك حديث بأن المقصود بهذا الحراك وسط جماهيركم، لبلورة رؤية شعبية، تمهيداً ليقود عبد الرحمن الصادق الحزب خلال هذه المرحلة، فماذا تقول بالضبط في الرد على هذا الحديث؟!

 

هذا ليس صحيحاً، وأنا أنفيه نفياً قاطعاً، خاصة أن الأخ الحبيب عبد الرحمن الصادق ليس عضواً في مؤسسات الحزب، وإنما موجود في الكيان الدعوي، كنائب لرئيس لجنة الحل والعقد، التابعة لهيئة شؤون الأنصار، فالمقصود من هذه اللقاءات الجماهيرية هو إعلان التلاحم بين جماهير الحزب وقياداته الحالية، وهذا مهم جداً عطفاً على المواقف السالبة لعدد من قياداته الكبيرة خارج البلاد، وقبل ذلك لإظهار المساندة الجماهيرية الضخمة للجيش، باعتبار أن الدعم الجماهيري للقوات المسلحة من أهم مطلوبات وواجبات هذه المرحلة على الإطلاق، خاصة أن حزب الأمة هو صاحب الجماهيرية الأكبر، ويضم بين ثناياه تكوينات ومكونات وأطيافاً اجتماعية ودينية غير موجودة أصلاً في أي حزب من الأحزاب. فنحن، على سبيل المثال، فتحنا كحزب سياسي ومنذ سنوات طويلة ماضية الباب على مصراعيه للمسيحيين ليكونوا أعضاء وقيادات أصيلة فيه، فعموماً قصدنا نحن بهذا الحراك الواسع تشجيع الأحزاب الوطنية الأخرى بأن تحذو هذا الحذو، باعتبار أن ذلك صمام أمان لوحدة البلاد، وبالضرورة لمواجهة أي مهددات ومستجدات قد تحدث، خاصة أن الحرب لا يزال يدور رحاها، فهذا هو فهمنا لواجبات هذه المرحلة الحساسة والدقيقة والخطيرة.

 

* هل لديكم تواصل وتنسيق مع الأحزاب الأخرى، في إطار أن يكون لها حراك وسط جماهيرها، لنصرة ودعم الجيش جماهيرياً؟!

 

نحن نمد أيدينا يا أخ أسامة لكل القوى الوطنية المخلصة، بأن تعالوا نعمل معاً عبر الجماهير لمساندة القوات المسلحة، وحالياً لنا تواصل مستمر مع الحزب الاتحادي الأصل بقيادة مولانا الميرغني لدعم الجيش عبر المساندة الشعبية، وقبل حوالي ثلاثة أسابيع، كانت لنا ندوة مشتركة في مدينة الملازمين، تحدث فيها من جانبنا الدكتور إبراهيم الأمين وعبد الرحمن الصادق، ومن جانبهم الأخ جعفر الميرغني، وقد كانت ندوة كبيرة ومحضورة وناجحة تماماً، وقد حققت أغراضها بالكامل في دعم الجيش، وإن شاء الله ستتواصل مثل هذه اللقاءات بين الحزبين الكبيرين في هذا الاتجاه.

 

* وهل لديكم تواصل مع المؤتمر الوطني؟

 

لا مطلقاً، فليس لنا معهم أي تواصل، فأنا على يقين وعلى قناعة تامة لا يمكن أن تتغير، بأن أي تقارب أو تنسيق أو تواصل مع الإسلاميين مضر جداً لحزبنا، فالإنقاذ خلال ثلاثين عاماً من حكمها أذاقت الشعب الأمرين (والويلين، إذا جاز التعبير)، وقد قال الشعب كلمته فيها عبر ثورة شعبية عارمة، فليس لنا معهم أي تنسيق أو تواصل مطلقاً.

 

* حتى المؤتمر الشعبي؟

 

نعم.. فهؤلاء هم رأس الحية وأُس البلاء.. ((أنا يا أخي أسامة، أتحدث في الرد على هذا السؤال وسابقه بصفتي الشخصية، وليس بأي صفة أخرى)).

 

* القيادي السابق في حزبكم، الأستاذ حسن إسماعيل، كان قد دعا البرهان في تسجيل مؤثر له للعفو عن البشير، مشيراً لما تم من عفو لكيكل وقبة والسافنا، فما هو تعليقك، خاصة أنه مريض ويحتاج للعلاج بالخارج؟

 

العفو عما ذكرت من أسماء يأتي في السياق الطبيعي والعادي، وهو تكتيك ((يحدث)) وحدث في عدة حروب في العالم والمنطقة من حولنا، ولكن البشير ذهب بثورة شعبية هي الأكبر على مستوى المنطقة، وبالتالي لا بد أن يُقدّم لمحاكمة عادلة. أما موضوع علاجه بالخارج، فهذا متروك لتقديرات قيادة الدولة.

 

* نعود للجزيرة، فلماذا بدأتم لقاءاتكم الجماهيرية بعد الخرطوم بمدينة ود مدني، مع أن وجودكم فيها محدود؟!

 

صحيح، وجودنا في ود مدني ليس كبيراً، فنحن نقر ونعترف بذلك، فالحزب موجود بالجزيرة بكثافة عالية في مناطق المناقل وكررى والجاموسي والماطوري وقبوجة والهدى، وفي مناطق جنوب الجزيرة والكاملين وأم القرى وشرق الجزيرة وأرياف الحصاحيصا، وغيرها من مناطق الولاية الأخرى، وقد جاءت جماهير من كل هذه المناطق محمولة على ظهر العربات والحافلات للمشاركة في لقاء ود مدني، الذي كان حاشداً وكبيراً وأثبت أن الحزب بخير، وقد اخترنا مدني لرمزيتها كعاصمة للولاية، وقد كانت مسرحاً لانتهاكات فظيعة من التمرد لم تحدث إلا في العصور القديمة.

 

* كان لكم لقاء مغلق مع الوالي ((قاطعني))؟

 

أبداً، لم يكن مغلقاً ولا سراً كما كتب أحدهم، وإنما كان على رؤوس الأشهاد، والإعلام كان موجوداً، وكان الأخ الوالي قد قدم لنا الدعوة لتناول وجبة الإفطار، ولم نتمكن من تلبيتها بسبب البرنامج المزدحم، فحوّل الدعوة مشكوراً للغداء، وقد استجبنا لدعوته الكريمة، وقد تحدث نيابة عن الحزب في هذا اللقاء الأخ الحبيب صديق إسماعيل عن مكانة الجزيرة التي تجمع كل مكونات وأطياف أهل السودان، وتطرق للانتهاكات الواسعة التي حدثت بالولاية، وفرحة كل أهل السودان بعودتها إلى حضن الوطن، من واقع أنها تمثل عودة الروح للجسد، لدورها الاقتصادي الأكبر وموقعها الجغرافي المتميز، شاكراً للوالي دعوته الكريمة، فيما تحدث الوالي الطاهر عن الدمار والخراب الواسع الذي حدث بالولاية جراء التمرد، ووصفه بأنه كان فوق التصور، ومجهودات حكومته في إعادة الإعمار وعودة خدمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، فقد كان لقاءً طيباً.

 

* بصفتك رئيساً لحزب الأمة في هذه الولاية، فكيف تقيم أداء حكومة الجزيرة؟

 

والله، هم في حكم المجتهدين، ولكن هناك تقصير واضح فيما يلي معاش الناس، خاصة في ظل هذه الظروف الضاغطة والصعبة والغلاء الفاحش الذي حوّل حياة الناس إلى بؤس شديد، علماً أن نسبة الفقر قد زادت زيادة كبيرة بالولاية بعد الحرب. أيضاً، هناك مشاكل عديدة في النسيج الاجتماعي، وهو الآن بكل صراحة وصدق نسيج مهترئ وممزق ومترهل جداً، ويحتاج إلى عمل دؤوب ومضنٍ ومعالجات جذرية وحقيقية وبرامج علمية فاعلة، وليس مجرد كلام للإعلام وتكوين كيانات هلامية كما يحدث الآن. وكذلك العمل الشعبي، فقد أُسند لأناس ليسوا أهلاً له البتة، وقد عادت الواجهات والوجوه القديمة التي خرج عليها الشعب في ثورة شعبية عظيمة. فإجمالاً، أقول إنه مع تسليمنا بأن حكومة الولاية مجتهدة في إعادة الإعمار، ولكن الخراب الذي أحدثه التمرد كان كبيراً وفوق التصور، ولكن قياساً على ما كان عليه الحال والواقع المحزن الذي تركته المليشيات بالولاية، وما تم من جهد حتى الآن، فالنتيجة العامة ((ما بطالة))، لكن لا يزال الواقع الموجود بالولاية يحتاج إلى عمل إضافي دؤوب وكبير، وإلى تضافر كل الجهود من أبناء وبنات الولاية، وإلى دعم ومساندة كبيرة من الحكومة المركزية.

 

* رئيس الإدارة المدنية الذي عينته المليشيا على الجزيرة ((صديق موية))، هو أحد قيادات حزب الأمة بالولاية، ((قاطعني مرة ثانية))؟!

 

هو أولاً ليس من الأسماء التي يعتمد عليها الحزب بالولاية ولا من قياداته، وإنما كان عضواً عادياً في المكتب السياسي، الذي يتكون من ((140)) عضواً، وهو اسم غير معروف لدى أهل الجزيرة، ولا على مستوى القيادات العليا بالحزب، ولكن أنا شخصياً أعرفه بحكم الجغرافيا والمنطقة الواحدة ولكوني رئيساً للحزب بالولاية، وقد حمل كِبَر الإثم لتوليه لهذه الإدارة المدنية الوهمية، ومواطنو الجزيرة يُقتلون ويُشرّدون وتُنهب أموالهم وممتلكاتهم وتُنتهك أعراضهم.. ((وأنا كثيراً ما أسأل نفسي عن دوافعه ليتولى هذا المنصب العبثي))، ولا أجد أي إجابة، غير أنه أساء لنفسه ولأهله ولمجتمعه، وأصبحت سيرته منبوذة. ثم إنني لا أعرف ما هي دوافع المليشيا في أن تعيّن رئيساً للإدارة المدنية بالولاية، ثم تحقّر هذه المدنية، بعلم مناصريها في صمود وتأسيس، بالجرائم الفظيعة والانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها في حق المواطن بالجزيرة، فقد احترنا في أن نجد تفسيراً لذلك، اللهم إلا إذا قصدت المليشيا إحراجهم وإذلالهم وأن تلطخ سمعتهم في الطين والوحل، فلم أجد تفسيراً غير ذلك.

 

* كيف تم اختيار ((عبد الله موية)) لهذا المنصب برأيك؟

 

لا علم لي بذلك، ولكن الذي أعرفه أنه على علاقة بأبو عاقلة كيكل ويوسف كيكل وعائلة كيكل بصورة عامة، فقد يكون تعيينه تم بحسب هذه العلاقة، أو قد يكون قد رشّح نفسه للمليشيات، فليس لديّ معلومات دقيقة.

 

* هل تعتقد أنه قام بأي عمل أو إنجاز يمكن أن يُشكر عليه؟!

 

إنجاز شنو؟! ((ما في أي إنجاز ولا حاجة)).. ولكن لو جلب ((لبن الطير)) لأهل الولاية، بعد تعيينه من قبل هؤلاء القتلة والسفلة والمجرمين والحرامية، لما نُسب له. فعموماً، فهو بموقفه هذا يمثل نفسه، ونحن كحزب نتبرأ منه أمام الله سبحانه وتعالى، وأمام أهل الجزيرة.

 

* هناك معلومات كانت متداولة بأنه اغتيل بأيدي المليشيا، بعد انحياز كيكل للقوات المسلحة؟

 

لا.. هو موجود.. ولكن أنا لا أعرف هو ((وين)).

 

* أترك عبد الله موية وشأنه، واتجه إلى مشروع الجزيرة، بحسب أنك متابع لسيرته، وقبل ذلك عملت فيه لعدة سنوات، قبل إحالتك للصالح العام، في مطلع الإنقاذ، في العام ((1989م))، ((قاطعني ضاحكاً))؟!

 

أنا للحقيقة تركت العمل بالمشروع بمحض إرادتي، وقد صادف ذلك بداية الإنقاذ، ((مما أدى إلى انطباع حتى لدى أهلي بأنني مرفود))، فلم أغادر المشروع بسبب تعسف أو ظلم وقع عليّ أو إحالة للصالح العام أبداً، وإنما لظروف قدرتها، فتركت الوظيفة ودخلت سوق الله أكبر، بعد أن أمضيت بالمشروع ((5)) سنوات وعدة أشهر، وكان المشروع وقتها مزدهراً ومنتجاً ومثالياً، والوضع الإداري يسير فيه بطريقة تتمناها كبريات المؤسسات والله، وكنت أسكن في بيت فسيح ((أنت تعرف سرايات المشروع))، ومخصصة لي عربة ممتازة وجنايني ومرتب يكفي ويفيض، فقد كانت الحياة طيبة والمشروع بخير.. و.

 

* وكيف تراه الآن، خاصة بعد تحرير الولاية؟

 

المشروع أصلاً خلال الإنقاذ كان قد تعرض لنكسات ووكسات ولمؤامرة كبيرة وتدمير ممنهج ومدروس، وقد تم ذلك بكل أسف بأيدي أبنائه وأبناء الولاية، وخلال فترة الاحتلال كان قد تعرض لهزات وتخريب أيضاً لإمكاناته وأصوله، علماً أن التمرد كان قد أفرغ المشروع من الآليات المملوكة للمزارعين بالنهب والسرقة، مما يستدعي وبصورة عاجلة أن تنهض الدولة بمسؤولياتها التاريخية تجاه المشروع وتجاه مزارعيه، خاصة أن أول زيارة لرئيس الوزراء كامل إدريس خارج العاصمة المؤقتة بورتسودان بعد تعيينه كانت للمشروع، للوقوف على أحواله ومشاكله المستعصية، بعد وقبل الحرب. علماً أن المشروع كان ولا يزال يعاني من أزمات ومشكلات تاريخية عويصة في الري، بسبب الإهمال الشديد، رغم توفر المياه في الترع الرئيسية، إلا أنه دائماً ما يحدث غرق أو عطش، لعدم توفر إمكانات كافية للصيانة، مع ضعف التدبير الإداري، خاصة بعد تبعية الري للمشروع وانفصاله عن الوزارة الأم. فعموماً، خروج المشروع من هذا الوضع المزري والمحزن يتطلب توفر عزيمة وإرادة سياسية أكبر، حتى يعود بالتدرج إلى سابق عهده وإلى سيرته الأولى قبل العام (1989).

 

* يا باشمهندس، حالياً تم اختيار مجلس إدارة جديد للمشروع (برئاسة دكتور ومهندس وبرتبة فريق في القوات المسلحة)، وكذلك يوجد مجلس إدارة جديد لشركة السودان للأقطان، ومجلس منتخب جديد لأصحاب المهن الزراعية، فإلى أي حد يمكن أن تُحدث مثل هذه الإجراءات اختراقات لافتة في ملف المشروع، خاصة أن هذه الأجسام كانت غائبة لسنوات طويلة؟

 

 

هي بالطبع واجهات إدارية مطلوبة، ما في ذلك أي شك، ولكن عادت لتشغلها الوجوه القديمة، أو بعض الوجوه الجديدة، بذات الفهم والتوجه الذي كان سائداً في عهد الإنقاذ، وبالتالي أنا غير متفائل بأن يحدث أي جديد في إطار تطور المشروع ورفعته، فهذه الواجهات كانت موجودة طيلة سنوات الإنقاذ، والتدهور يمضي للأمام بسرعة شديدة. فالحل بتوجه جديد وبرؤى جديدة للمشروع، بتقديم الخبرات والكفاءات المخلصة، وهؤلاء موجودون وعلى قفا من يشيل، ودعوني أسأل بصراحة: إلى متى نكرر دائماً ذات السيناريوهات السابقة بالمشروع ولا نحصد إلا الأصفار والعدم؟ فالمشروع محتاج إلى توجه جديد وإلى إصرار سياسي، إذا كانت حكومة الأمل تؤمّل في دور فاعل ورئيس يلعبه المشروع في دفع عجلة الاقتصاد، خاصة أن مشاكل المشروع ظاهرة ومعروفة.. وتحتاج إلى ميزانيات مناسبة وتدبير إداري ممتاز.

 

* لماذا لم تشاركوا في انتخابات المزارعين، التي أُجريت خلال الفترة القليلة الماضية، مع أن هناك وجوهاً جديدة بتوجهات سياسية مختلفة، كانت قد دخلت للمكتب التنفيذي، كالعدل والمساواة وتحالف المزارعين (الذي كان يرعاه الراحل عبد الله أزرق طيبة)، وبعض المستقلين؟!

 

نحن أصلاً مع اتحاد للمزارعين وليس مجلساً لمهن الإنتاج الزراعي، والذي أقره قانون المشروع لسنة 2005م، سيئ الذكر والسمعة، والمعدّل لسنة 2014، علماً أن هذا التعديل كانت فيه نقاط إيجابية عديدة، ولكن التنفيذ على الأرض كان لقانون (2005). وبالتالي نحن نرفض تماماً تحويل الاتحاد لمجلس، ولذلك لم نشارك في هذه الانتخابات، لأن لنا رأياً جوهرياً في تغيير الاسم وبالتالي تغيير أهدافه، ولا أريد أن أدخل في أي تفاصيل أخرى، فلا داعي لذلك، طالما أننا نرفض أصل الفكرة. أما مشاركة بعض الكيانات والتيارات في هذه الانتخابات، فهذا الأمر يخصهم لوحدهم.

 

* السؤال قبل الأخير، فقد قلتم إنكم في لقائكم مع رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس كنتم قد قدمتم له التهنئة بمناسبة تعيينه وتكوينه لحكومته، باعتبار أن ذلك خطوة مهمة في إطار مدنية الدولة، فما هو تقييمكم لأداء حكومة الأمل خلال فترتها السابقة؟!

 

أداؤها بصراحة شديدة ضعيف وبطيء للغاية، فلم يحس المواطن البسيط بأي تغيير أو أي جديد حدث في حياته، بل بالعكس، فمع هذا الغلاء الطاحن زادت معاناته بصورة لا تُطاق. وقبل ذلك، وقد ذكرنا ذلك في مذكرتنا للرئيس البرهان ولرئيس الوزراء، بأن الفساد مستشرٍ بصورة مخيفة ويحتاج إلى «بلدوزر» للقضاء عليه، وهذا ما كنا نقوله ونردده طيلة سنوات الإنقاذ، التي شرعت، بعد ضغوط كبيرة من المعارضة، في سن تشريعات عبر البرلمان لمكافحته وتكوين مفوضية لإزالته، إلا أنها في الواقع العملي لم تكن جادة ولا حريصة على ذلك، فقد ماطلت وتلكأت في التنفيذ، وظل الحال كما هو، إلى أن خرج عليها الشعب في ثورة عظيمة، كانت حديث العالم كله.

 

* ذات البطء في أداء حكومة الأمل كان قد تحدث عنه الأستاذ الإعلامي حسين خوجلي (بحسب ما علمت منه) في ونسة عادية بالهاتف مع البروفيسير كامل إدريس، وكان رده «بأنهم يعملون ببطء ليصلوا سريعاً»؟!

 

 

ولكن شوف كم مضى من وقت لحكومة الأمل حتى الآن؟! فقد بقيت لفترة كافية، ولم تظهر لها أي إنجازات أو عمل واضح على الأرض، ولذلك فهذا ليس بطئاً، وإنما سلحفائية شديدة في الأداء. فصحيح أن هذه الحكومة جاءت في ظروف صعبة وحرجة واستثنائية، ولكن الناس ضاقوا ذرعاً بمعاشهم، وهذا يحتاج إلى عمل وتحرك سريع وإلى قرارات وإجراءات عاجلة، باعتبار أن هذه القضية حياتية، وبالتالي لا تحتمل ولا تتحمل أي تأخير أو تأجيل أو أي حديث من شاكلة «بأننا نعمل ببطء لنصل سريعاً».. «طبعاً، هذا إذا صح أن رئيس الوزراء قال هذا الحديث، أو يكون قد قاله في غير هذا السياق الذي نحن بصدده الآن». ثم مطلوب من هذه الحكومة، وبأعجل ما يكون، أن تُظهر الأمل للناس في جديتها لضرب أوكار الفساد المستشري، خاصة أنه أصبح حديث الناس في مجالسهم وفي ونساتهم، فلا يمكن أن يكون الناس في بلادنا محاصرين «بنارين: نار الحرب ونار الفساد»، وما يترتب على الفساد من تبعات ضخمة على المواطن، خاصة في معاشه وعلاجه وتعليم أبنائه وغير ذلك من ضروريات الحياة. فالآن توجد معاناة شديدة وضائقة معيشية كبيرة، والناس قالوا الرووب، «فالرغيفة الواحدة أصبحت بخمسمائة جنيه»، بما يضع الحكومة على المحك، وأن تتحرك بأسرع ما يمكن للوفاء بواجباتها والتزاماتها، خاصة في القضايا الحياتية اليومية.

 

* لي سؤال قصدت أن أختم به، فقد كان هناك حديث كثيف في الميديا، في أعقاب وفاة الإمام، بأنه تم اغتياله، فما مدى صحة هذه المعلومات المتداولة، خاصة أن حزبكم لم ينفِ أو يؤكد؟!

 

رأيي الشخصي ((وكررها: رأيي الشخصي)) أن الإمام اغتيل، والفيروس الذي أُصيب به نُقل له عمداً ((ولا أريد أن أتحدث عن أي تفاصيل أخرى))، خاصة في هذه المرحلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى